سيد محمد طنطاوي
58
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
من أحوال حياتكم . وإذا فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر - مع ما فيه من المائية المضادة لها - كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها . ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخا آخر . فقال : * ( أَولَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) * . والاستفهام - كسابقه - للإنكار والتعجيب من جهالاتهم ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام والضمير في « مثلهم » يعود إلى المنكرين للبعث . والمعنى : إن من قدر على خلق السماوات والأرض - وهما في غاية العظم - قادر من باب أولى على إعادة خلق البشر ، الذي هو صغير الشكل ، ضعيف القوة . وجملة : * ( بَلى وهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ) * جواب من جهته - تعالى - وتصريح بما أفاده الاستفهام الإنكارى ، من تقرير ما بعد النفي ، وتأكيد قدرته - سبحانه - على الخلق والإعادة . لأن « بلى » حرف جواب ، يؤتى به لإثبات فعل ورد قبله منفيا . أي : بلى إنه لقادر - سبحانه - على أن يخلق مثلهم ، وعلى أن يعيدهم للحياة مرة أخرى ، وهو - سبحانه - « الخلاق » أي : الكثير المخلوقات « العليم » أي : الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شيء . ثم أكد - سبحانه - شمول قدرته لكل شيء فقال : * ( إِنَّما أَمْرُه إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * . أي : إنما شأنه - سبحانه - في إيجاد الشيء ، أنه إذا أراد إحداثه ، أن يقول له كن ، أي : كن موجودا فيكون ، أي : فهذا الشيء يكون ويوجد في الحال . . . قال الشاعر : إذا ما أراد اللَّه أمرا فإنما يقول له « كن » قولة فيكون ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتنزيهه - تعالى - عن كل نقص ، فقال * ( فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِه مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإِلَيْه تُرْجَعُونَ ) * . أي : فتنزه اللَّه - تعالى - الذي له ملك كل شيء ملكا تاما ، والذي إليه المرجع والمآب ، عن كل ما يقوله الكافرون من عدم قدرته على إحياء الموتى . فهو - سبحانه - لا يعجزه شيء ، ولا يخفى على علمه شيء ، ولا يحول دون قدرته شيء أَلا لَه الْخَلْقُ والأَمْرُ تَبارَكَ اللَّه رَبُّ الْعالَمِينَ .